نصر حامد أبو زيد

79

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ) . وسورة الحج مكية ، وفيها ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ) . فان أراد المفسرون أن الغالب ذلك فهو صحيح « 1 » . وإذا كان معيار « المضمون » أيضا معيارا غير حاسم فذلك لأن المدخل الفقهي يفترض وجود تمايز واضح حاد يمكن تلمسه والدلالة عليه في التفرقة بين المكي والمدني . والحقيقة أن مثل هذا التمايز الحاد القاطع الواضح مجرد افتراض ذهني إلا إذا تصورنا أن المرحلتين : المكية والمدنية مرحلتان منفصلتان . إن التطور لا يحدث فجأة سواء على مستوى الواقع أم على مستوى النص ، ولذلك تظل التفرقة بين المكي والمدني في النص تفرقة تقوم على خصائص عامة ولكنها ليست حاسمة . وتزداد صعوبة ايجاد معيار حاسم للتميز بما نعلمه من أن ترتيب التلاوة في المصحف المدون مخالف لترتيب التنزيل الزماني ، فتتداخل النصوص المكية والمدنية في السورة الواحدة ، بحيث يحتاج تحديد انتماء كل جزء من النص ، وكل آية منه ، إلى دراسة لغوية دقيقة ، خاصة تلك النصوص التي استشكلت على القدماء أنفسهم . وفي هذه الدراسة لا بد من مراعاة المعيار الزماني جنبا إلى جنب مع معيار النص ذاته سواء من حيث مضمونه أم من حيث بناؤه وتركيبه . 2 - معيار الأسلوب إذا كان تحديد المكي وتمييزه عن المدني على سبيل الحسم يظل أمرا اجتهاديا ، فقد كان اجتهاد القدماء عادة يتركز في الترجيح بين المرويات دون أن يتجاوز ذلك إلا قليلا إلى محاولة البحث عن خصائص أسلوبية فارقة إلى جانب المعيار الزمني والمعيار الموضوعي . ويمكن لنا أن نحدد اثنتين على الأقل من هذه الخصائص الأسلوبية التي تساعدنا على التمييز بين المكي والمدني . وقد أشار ابن خلدون إلى واحدة من هذه الخصائص في حديثه عن الوحي حين أشار إلى طول الآيات المدنية إذا قورنت بقصر الآيات المكيّة . ولذلك كان تنزّل نجوم القرآن وسوره وآية حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة . وانظر إلى ما نقل في سورة براءة في غزوة تبوك وأنها نزلت كلها أو أكثرها عليه وهو يسير على ناقته بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من قصار المفصل في وقت وينزل الباقي في حين آخر . وكذلك كان آخر ما نزل بالمدينة آية الدّين ، وهي ما هي في الطول بعد أن كانت الآية تنزل بمكة مثل آيات الرحمن والذاريات والمدثر والضحى والفلق وأمثالها . واعتبر من ذلك علامة تميز بها بين المكي والمدني من السور والآيات « 2 » .

--> ( 1 ) الزركشي : الاتقان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 190 . ( 2 ) المقدمة : ص 99 .